السيد عبد الأعلى السبزواري

24

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

على الجميل الاختياري ، والثاني - هو الثناء باللسان على الجميل ولو لم يكن . اختياريا ، كما في قولك : مدحت اللؤلؤ على صفائها ، والنجوم اللامعة على جلائها وبهائها ، فيكون الفرق بينهما بالعموم والخصوص . ولم يرد لفظ المدح في القرآن الكريم ، كما أنّه لم يستعمل الحمد فيه إلّا للّه تبارك وتعالى . والثالث ما أنبأ عن عظمة المنعم سواء أكان بالقلب أو اللسان أو الأركان ، فالتفكر في عظمته تعالى شكر له وذكره باللسان وفعل الصّلاة شكر له أيضا ، فالحمد أعم من الشكر من ناحية المتعلق ، لأنّه الجميل الاختياري سواء أكان للحامد أم لغيره ، وأخص منه من ناحية المورد لأنّ مورده اللسان فقط في الإنسان ، والشكر بالعكس فإنّ متعلقه الإنعام على الشاكر فقط ومورده يعم القلب واللسان والأركان . وقد ورد الشكر في القرآن بالنسبة إليه تعالى كثيرا ، قال تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ سورة البقرة ، الآية : 152 ] ، وقال تعالى : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ سورة البقرة ، الآية : 172 ] ، وقد يكون من اللّه عزّ وجل لعباده قال تعالى : فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ سورة الإسراء ، الآية : 19 ] ، وقال تعالى : وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً [ سورة النساء ، الآية : 147 ] . والمراد بشكره تعالى هو الجزاء على الخير سواء كان في الدنيا ، أو في الآخرة أو فيهما معا . كما يقع من الخلق للخلق قال تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ سورة لقمان ، الآية : 14 ] . والتسبيح هو التنزيه عن كل نقص مطلقا ويختص ذلك باللّه تعالى كاختصاص الحمد به تعالى ، قال تعالى : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [ سورة الصافات ، الآية : 159 ] ، وقال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء ، الآية : 44 ] ويأتي التفصيل . هذا ما هو المعروف بينهم . وهنا وجه آخر وهو أن مادة ( ح م د ) مع مادة ( م د ح ) واحدة في أصل المواد ، وإنما الاختلاف بالتقديم والتأخير وهذا الاختلاف أوجب اختصاص لفظ الحمد باللّه تعالى ، وإطلاق المدح على غيره أيضا ، فيكون لفظ الحمد كلفظ ( اللّه ، والرحمن ) مختصا به تعالى فلا ينبغي إطلاقه بالنسبة إلى غيره عزّ وجل ولو أطلق يكون بمعنى المدح ، بخلاف المدح فإنه يطلق على غيره